ابن أبي الحديد

53

شرح نهج البلاغة

فأيام الهموم مقصصات * وأيام السرور تطير طيرا وقال أبو تمام : ثم انبرت أيام هجر أردفت * بجوى أسى فكأنها أعوام ( 1 ) قوله عليه السلام : " إن الفتن إذا أقبلت شبهت " ، معناه أن الفتن عند إقبالها وابتداء حدوثها ، يلتبس أمرها ولا يعلم الحق منها من الباطل ، إلى أن تنقضي وتدبر ، فحينئذ ينكشف حالها ، ويعلم ما كان مشتبها منها . ثم أكد عليه السلام هذا المعنى بقوله : " ينكرن مقبلات ، ويعرفن مدبرات " ، ومثال ذلك فتنة الجمل ، وفتنة الخوارج ، كان كثير من الناس فيها في مبدأ الامر متوقفين ، واشتبه عليهم الحال ، ولم يعلموا موضع الحق إلى أن انقضت الفتنة ، ووضعت الحرب أوزارها ، وبان لهم صاحب الضلالة من صاحب الهداية . ثم وصف الفتن ، فقال : إنها تحوم حوم الرياح ، يصبن بلدا ، ويخطئن بلدا . حام الطائر وغيره حول الشئ ، يحوم حوما وحومانا ، أي دار . ثم ذكر أن أخوف ما يخاف عليهم فتنة بنى أمية . ومعنى قوله " عمت خطتها ، وخصت بليتها " ، أنها عمت الناس كافة من حيث كانت رياسة شاملة لكل أحد ، ولكن حظ أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من بليتها أعظم ، ونصيبهم فيها أوفر . ومعنى قوله : " وأصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عمى عنها " ، أن العالم بارتكابهم المنكر مأثوم إذ لم ينكر ، والجاهل بذلك لا إثم عليه إذا لم ينههم عن المنكر ، لان من لا يعلم المنكر منكرا لا يلزمه إنكاره ، ولا يعنى بالمنكر هاهنا

--> ( 1 ) ديوانه 3 : 152 .